الشيخ عبد الغني النابلسي
241
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
الظاهرة فهم حملة العلم وليسوا بعلماء ، وإن وعوا غير ذلك من علوم العربية والعلوم الفلسفية ونحو ذلك فليسوا بحملة العلم ولا علماء أصلا ؛ ولهذا قال رضي اللّه عنه . وما عداه ، أي غير علم الأذواق فحدس ، أي ظن وتوهم وتخمين افتتنت به أهله كما افتتن أهل الدنيا بالدرهم والدينار وهو ليس بعلم أصلا ، قال صلى اللّه عليه وسلم : « العلم ثلاثة : كتاب ناطق وسنة ماضية وقول لا أدري » . أخرجه السيوطي أيضا في جامعه الصغير « 1 » ، فقول : لا أدري في مقابلة ذلك الحدس والتخمين ، فالعالم يقول : لا أدري والجاهل يتكلم بالحدس والتخمين . * * * ثمّ كان لأيّوب عليه السّلام ذلك الماء شرابا لإزالة ألم العطش الّذي هو من النّصب والعذاب الّذي مسّه به الشّيطان ، أي البعد عن الحقائق أن يدركها على ما هي عليه . فيكون بإدراكها في محلّ القرب . فكلّ مشهود قريب من العين ولو كان بعيدا بالمسافة ، فإنّ البصر يتّصل به من حيث شهوده ولولا ذلك لم يشهده أو يتّصل المشهود بالبصر . كيف كان . فهو قرب بين البصر والمبصر . ولهذا كنّى أيّوب عليه السّلام في المسّ ، فأضافه إلى الشّيطان مع قرب المسّ فقال البعيد منّي قريب لحكمة فيّ . ثم كان لأيوب عليه السلام ذلك الماء الذي خرج بركض رجله شرابا يشربه لإزالة ألم العطش الذي هو من النّصب بضم النون وسكون الصاد المهملة ، أي الشر والبلاء . قال الجوهري في صحاحه : والنصب الشر والبلاء ومنه قوله تعالى : مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ [ ص : 41 ] ومن العذاب وهو العقوبة الذي مسه ، أي أيوب عليه السلام به الشيطان من قولهم شطت داره إذا بعدت أي البعد عن الحقائق الإلهية أن يدركها أيوب عليه السلام على ما هي عليه في نفسها لا على حسب ما يعطي البعد عنها من المعاني النفسانية . فيكون ، أي أيوب عليه السلام بإدراكها ، أي تلك الحقائق كذلك في محل القرب إلى اللّه تعالى فكل شيء مشهود من تلك الحقائق على ما هو عليه قريب من العين الشاهدة له ولو كان بعيدا عنها بالمسافة الجسمانية فإن
--> ( 1 ) موقوف على ابن عمر ، ورواه ابن عبد البر في التمهيد [ 4 / 266 ] .